محمد جمال الدين القاسمي

6

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

البخاري « 1 » في صحيحه في الرد على الجهمية : قال أبو العالية : استوى إلى السماء ارتفع . وقال مجاهد : استوى على العرش علا ، أي بلا تمثيل ولا تكييف ، والعرش : هو الجسم المحيط بجميع الكائنات ، وهو أعظم المخلوقات و « الأيام » قيل : كهذه ، وقيل : كل يوم كألف سنة . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي يقضي ويقدر ، على حسب مقتضى الحكمة أمر الخلق كله ، و ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ تقرير لعظمته وعز جلاله ، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند اللّه . ذلِكُمُ اللَّهُ إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة ، أي ذلك العظيم الموصوف بما وصف هو رَبَّكُمُ أي الذي رباكم لتعبدوه فَاعْبُدُوهُ أي وحّدوه بالعبادة . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أي تتفكّرون أدنى تفكّر فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة . لا ما تعبدونه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 4 ] إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي الموت أو النشور . أي لا ترجعون في العافية إلا إليه ، فاستعدوا للقائه وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي صدقا ، ثم علل وجوب المرجع إليه بقوله سبحانه : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي من النطفة ثُمَّ يُعِيدُهُ أي بعد الموت لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم ، أو بإيمانهم ، لأنه العدل القويم ، كما أن الشرك ظلم عظيم ، وهو الأوجه لمقابلة قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ أي من ماء حارّ قد انتهى حره وَعَذابٌ أَلِيمٌ وجيع يخلص ألمه إلى قلوبهم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ تعليل لقوله . لمقابلة قوله ، فإن معناه ليجزي الذي كفروا بشراب من حميم ، وعذاب أليم ، بسبب كفرهم ، لكنه غيّر النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب بجعله حقا مقررا لهم ، كما تفيده « اللام » وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة . والعقاب واقع بالعرض بكسبهم ، وعلى أنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما لا تحيط

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد ، 22 - باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم .